عندما كان الطبيب روحا وعقلا وكانت علاقة الطبيب بالمريض كعلاقة الروح بالعقل كانت منتديات الروح والعقل


    سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    شاطر

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الإثنين 11 أبريل 2011, 2:26 pm

    الفصل الأول



    -تباً.
    هتفت (ليلى) بحنق و الغضب يتراقص على محياها الرقيق و هي تندفع خارجة من غرفة رئيس تحرير الصحيفة التي تعمل بها. أسرعت تدخل الغرفة التي تتشارك بها مع (إيناس).
    -ما الأمر هذه المرة؟
    تساءلت (إيناس) بعدم إهتمام فقد تعودت نوبات غضب الأستاذ (أمين) رئيس التحرير و ظنت أن (ليلى) هي من حلت عليها غضبته ذاك اليوم..
    -سحقا للرجال.
    قالت (ليلى) و هي تتناول حقيبتها و ترمي داخلها بكل أوراقها و أقلامها, ثم إندفعت لتخرج.
    -يا إلهي!
    هتفت و هي تعود أدراجها ثم تنتزع ورقة من آلة الطباعة, و إزداد حنقها لما رأت تجعد الورقة, فملستها بيدها و هي تخط عليها بضع كلمات.
    -خذي هذه الورقة يا (إيناس).
    تناولت (إيناس) الورقة بدهشة و هي تقول:
    -ما بها؟..
    و بترت عبارتها بغتة و إرتفع حاجباها بذعر و هي تصرخ:
    -إستقالة!!
    ثم رفعت عينيها إلى (ليلى) و هي تردف:
    -لماذا تستقيلين؟
    -لقد فعلت و كفى.
    ردت (ليلى) بحزم و هي تتأهب لتخرج, فجذبتها (إيناس) من ذراعها قائلة:
    -(ليلى) يا عزيزتي.. أنت تعلمين أن الأستاذ (أمين) عصبي المزاج, و كثيرا ما يصرخ في وجوهنا غير أنه لا يقصد شيئا.. لقد تعود جميع الموظفين على إنفعاله الزائد دوما. و أظنك –لطول مدة عملك معه- تعلمين.
    -أحقا؟
    قالت (ليلى) بتهكم, فأسرعت (إيناس) تقول:
    -نعم. و أرجوك أن تعيدي التفكير في إستقالتك. ألا ترين أنك صرت نائبة رئيس التحرير على الرغم من صغر سنك.
    بترت عبارتها لما إنتبهت لما تحويه من تعريض, غير أن (ليلى) ردت بسخرية:
    -كنت أظن أن كفاءتي هي المسئولة عن مركزي.
    -بالتأكيد هي كفاءتك.
    ضحكت (ليلى) بسخرية و هي تقول:
    -يا لك من ساذجة يا (إيناس).
    عقدت (إيناس) حاجبيها بضيق و قالت:
    -عفوا!
    ربتت (ليلى) على كتفها و هي تغمغم:
    -أعذريني يا عزيزتي, و لكنك لا تعرفين شيئا, لذا أرجو ألا تطلبي مني العدول عن الإستقالة.
    و عانقتها بسرعة و هي تستطرد:
    -لا تنسي أن توصلي الورقة إلى أستاذنا العظيم.
    و إندفعت خارجة تغادر الصحيفة كلها..
    * * *
    إستلقت (ليلى) على فراشها وشبكت يديها خلف رأسها و إبتسامة ساخرة على شفتيها الجميلتين..
    -أنا!!
    قالت بتهكم مرير, و هي تسترجع ما دار بينها و بين الأستاذ (أمين) صباح ذلك اليوم حين طلبها –كعادته- كل صباح:
    -(ليلى), أيتها العزيزة.. ما أجمل هذا الصباح.
    تطلعت إليه بدهشة ممزوجة بالعتاب لكلماته, فتصنع عدم الفهم و هو يشير إلى الأريكة الوثيرة:
    -تفضلي بالجلوس.
    و ما أن جلست حتى أسرع يغادر مقعده لينضم إليها و هو يهمس:
    -إن الصباح لا تكتمل إشراقته إلا بحضورك يا عزيزتي.
    نظرت إليه و الغضب قد بدأ يشتعل لكلماته ذات المعنى..
    -ماذا تريد يا أستاذ؟
    إقترب منها و وضع ذراعه على حافة الأريكة خلفها, فأسرعت تبتعد:
    -أتعلمين كم أنت جميلة؟
    و إزداد إقترابا و هو يردف:
    -إن لك عينين رائعتين و رموش غزيرة, أتضعين الكحل يوميا؟
    -أستاذ؟
    هتفت و هي تحاول أن تتجنب الإلتصاق بينهما.
    -لا أظن, و لكنك لا تحتاجين إلى الكحل..
    نهضت و هي تقول بصوت مختنق:
    -ألا ترى أن هذا الكلام لا يليق؟
    -و لم لا؟
    نهض خلفها, فإزداد إضطرابها و خوفها و هي تقول بصوت أرادته حازما:
    -أستاذ (أمين), أنت رجل متزوج, كما أنك تكبرني في السن و..
    قاطعها قائلا بلهفة, و عينيه تتطلعان إليها بشوق:
    -هذا لا شيء.
    صرخت:
    -أستاذ (أمين), لقد أتيت لأعمل هنا, و لم آت لهذه التفاهات.
    صدمته لهجتها و عبارتها فقال بغيظ:
    -أ تجرؤين؟
    -نعم أجرؤ, و لتعلم أنني لن أستمر بالعمل هنا بعد اليوم, فلتبحث عن نائب سواي.
    -أتظنين أنني لن أجد أخرى؟
    قال بسخرية و أردف:
    -كثيرات غيرك يتمنين هذا المنصب و ما يتبعه.
    راعها ما عناه بعبارته فقالت لغضب:
    -لتهنأ به من أرادته.
    ضحكت (ليلى) بسخرية و هي تتذكر كيف أمرها بالخروج متوعدا بإيقافها عن العمل.. "لقد إستقلت قبل أن يوقفني عن العمل... تباً لكل شيء."
    و حانت منها إلتفاتة إلى ساعة الحائط فوجدتها الثامنة مساء..
    -حان موعد الرياضة.
    ثم إرتدت عباءتها و خرجت من غرفتها.
    -أمي, أنا خارجة.
    هتفت فردت والدتها التي كانت تتحدث عبر الهاتف:
    -لا تتأخري يا (ليلى).
    أومأت برأسها و هي تفتح باب الشقة و تسرع الخطا إلى شارع النيل الذي لم يكن يبعد إلا بضع مربعات سكنية عن المبنى الذي تقع فيه شقتها.
    وضعت سماعات هاتفها الخليوي في أذنيها لتستمع إلى بعض الموسيقى.. و سارعت بخطوات تشبه الهرولة و هي تدندن بهمس..
    كان الشارع مضاء و يمتلئ ببائعات الشاي و القهوة, كما تناثر هنا و هناك على الأرض المعشبة عشاق يتسامرون.. ضحكت في نفسها و هي تقول: "ما هذا الغباء؟".. "أيحتاج الحب لمثل هذا الجو لنعرفه؟".. تساءلت في نفسها ثم مطت شفتيها مردفة: "لن أعرف أبدا".. و ما لبثت أن إستغرقت في القطعة الموسيقية التي كانت تحبها, فلم تدر بنفسها إلا بعد أن بلغت جامعة الخرطوم.
    توقفت و هي تتطلع إلى مبنى الجامعة التي درست فيها خمس سنوات بكلية الآداب.. و إبتسمت محيية لها كصديقة عزيزة, ثم بدأت طريق العودة.
    -أنت, أيتها الجميلة.
    ناداها أحد الفتيان, لم تلفت إليه و لم تكلف نفسها حتى عناء رسم إبتسامة –كأية أنثى أخرى-... "ما هذا الغباء؟".. كررت عبارتها بصوت خافت ثم أسرعت تعود إلى مسكنها.
    [center][u]


    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    dr.maria
    طبيب فعال
    طبيب فعال

    انثى
    عدد المشاركات : 71
    رقم العضوية : 376
    المستوى : GP
    الاقامة : السعوديه
    نقاط النشاط : 6573
    السٌّمعَة : 6
    تاريخ التسجيل : 16/01/2011

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف dr.maria في الأربعاء 20 أبريل 2011, 9:39 am

    السلام عليكم وين باقي القصه يادكتوره علقتينااااااااااااااااا

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الجمعة 30 مارس 2012, 1:47 pm

    آسفة جدا على الغيبة الطويلة دي ..


    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الجمعة 30 مارس 2012, 1:49 pm

    الفصل الثاني

    حملت (ليلى) أوراقها متجهة إلى مبنى صحيفة النهضة. و هناك أعطت بطاقتها الصحفية لموظف الإستقبال الذي أعادها إليها متسائلا:
    -ما سبب زيارتك يا آنسة (ليلى)؟
    إبتسمت بهدوء و هي ترد:
    -هل يمكنني مقابلة رئيس التحرير؟
    هز الموظف رأسه قائلا:
    -يؤسفني أنه في عطلة خارج البلاد, و لكن نائبه, الأستاذ (مصطفى) موجود.
    رفعت كتفيها بأسى ثم قالت:
    -حسنا.. سأكتفي بمقابلته.
    أومأ الموظف برأسه ثم أجرى إتصالا سريعا عاد بعده ليقول:
    -إنه في إنتظارك, الطابق الثاني, آخر مكتب جهة اليمين. تفضلي يا آنسة (ليلى).
    شكرته برقة و هي تتجه إلى المصعد و تضغط زر الطابق الثاني. نظرت إلى المرآة التي كانت تحتل أحد جدران المصعد, و عدلت من هندامها, ثم أخرجت طلاء الشفاه من حقيبة يدها, و لكنها ما لبثت أن أعادته و هي تتمتم:
    -لن أفعل ذلك أبدا يا (لبنى).
    و لما توقف المصعد خرجت تسير بخطى واثقة و على شفتيها إبتسامة رقيقة حتى بلغت غرفة نائب رئيس التحرير, فطرقت الباب و دخلت لما سمعت الإذن بالدخول.
    -مرحبا أستاذ (مصطفى), أنا (ليلى محمود).
    نهض (مصطفى) من مقعده يحييها هاتفا:
    -أنت هي (ليلى محمود) صاحبة العمود الشهير (الرأي الآخر) بصحيفة الفجر؟ مرحبا بك. و تشرفنا بزيارتك كثيرا.
    -يبدو أنك تعرفني؟
    قالت بخفوت و قد بدا عليها الخجل لإطرائه.
    -تفضلي بالجلوس.
    جلست في المقعد المقابل لمكتبه, بينما واصل يقول:
    -من ذا الذي لا يعرفك؟ إنك أشهر من علم على رأسه نار!
    إبتسمت بخجل و هي تغمغم:
    -لا أظن ذلك يا إستاذ.
    تراجع في مقعده و لوح بيده و هو يقول:
    -(ليلى محمود) أستاذة الإعلام بجامعة الخرطوم, صاحبة القلم الجريء, و الحاصلة على جائزة الدولة في مجال الصحافة.
    و صمت و هو يميل إليها غامزا بإحدى عينيه:
    -سامحيني, و لكن لم لا تضعين صورتك على مقالاتك؟ لقد ظننا أنك قبيحة؟
    و إنفجر ضاحكا, و لما إنتبه إلى أن دعابته لم تجد صدى عندها, تنحنح و قال:
    -عفوا. كيف يمكنني أن أخدمك؟
    أخرجت شهاداتها و هي تقول بهدوء:
    -ترى هل أجد لديكم وظيفة شاغرة؟
    بدت الدهشة على وجهه و تساءل:
    -و لكنك تعملين بصحيفة..
    قاطعته:
    -قدمت إستقالتي الإسبوع الماضي.
    غمرته الدهشة غير أنه نفضها جانبا و شبك يديه أمام وجهه و هو يتطلع إليها بصمت لم تحاول أن تقطعه حتى قال بنبرة أغاظتها:
    -لا يمكن لأحد أن يرفض طلبا لمن هي مثلك.
    قالت بحدة:
    -و لم لا؟
    إنتبه إلى غضبها فأسرع يقول متزلفا:
    -ألست (ليلى محمود) الشهيرة.
    -ماذا يعني هذا؟
    -يعني أنه مرحبا بك, و لكن يؤسفني أنني لن أتخلى عن منصبي من أجلك.
    و ضحك بينما إكتفت هي بالإبتسام و هي تقول:
    -لا تهمني المناصب بقدر ما يهمني إيصال الرأي الآخر.
    و نهضت من مقعدها, فنهض و صافحها بقوة و أصابعه تشد على يدها, بينما فوق شفتيه لمحت إبتسامة لم ترق لها.. أبدا.
    * * *
    عادت (ليلى) إلى مسكنها في الثالثة بعد الظهر, و إتجهت من فورها إلى المطبخ حيث وجدت والدتها تعد طعام الغداء فقبلتها و هي تقول:
    -ما هذه الروائح الشهية يا أمي؟
    إبتسمت الأم بحنان و هي ترد:
    -الطبق الذي تحبينه يا بنيتي, طبيخ البامية.
    تهللت أسارير (ليلى) و هتفت:
    -سأستبدل ملابسي بسرعة و أعود.
    و كعادتها إندفعت خارجة, فإرتطمت بشقيقتها (لبنى) و سقطتا أرضا ليتناثر البرتقال الذي كانت تحمله شقيقتها.
    -(ليلى), متى ستتوقفين عن الإرتطام بي؟
    صرخت (لبنى), إلا أن (ليلى) أسرعت تنهض و تتجه إلى غرفتها و هي تصيح:
    -ربما إن كنت ترين أمامك يا شقيقتي.
    -أنت..
    و بترت عبارتها الغاضبة لما فطنت إلى أن (ليلى) لن تسمعها, ثم زفرت و هي تجمع حبات البرتقال.
    -ما الأمر؟
    قالت الأم ثم إبتسمت لما رأت وجه (لبنى) الغاضب, و إستطردت:
    -كالعادة.
    و عادت إلى مطبخها مرسلة ضحكة عالية, فإبنتيها الوحيدتين ما زالتا تتصرفان كطفلتين, على الرغم من أن (ليلى) في الثامنة و العشرين و (لبنى) في الخامسة و العشرين.
    -أمي, ألا تتحدثين مع (ليلى)؟ إنها مندفعة دائما.
    رفعت الأم كتفيها و خفضتهما و هي ترد:
    -أنت أدرى بها يا عزيزتي.
    ثم قالت بعد فترة:
    -هلا ساعدتني بإعداد المائدة يا بنيتي؟
    إستجابت (لبنى) لطلب أمها و هي تتمتم بغيظ و حنق.
    -لم كل هذا التأخير يا (عائشة)؟
    جاء صوت الأب فردت زوجته:
    -ها قد أعددنا كل شيء يا (محمود).
    ثم وضعت طبق البامية و جلست.
    -أرى أنكم بدأتم قبل حضوري!
    قالت (ليلى) متصنعة الغضب فجذبها والدها و هو يضحك:
    -خفنا أن تأتي على الأكل كله.
    و ضحك الجميع ثم جلست (ليلى) و بدأت تأكل, غير أن ذهنها شرد بعيدا:
    -ما الأمر يا (ليلى)؟
    قالت (لبنى) بخفوت فإنتبهت الأولى و إبتسمت دون رد.
    * * *
    بعد الغداء و تناول الشاي أسرعت (ليلى) إلى غرفتها و أخذت آلة الفلوت التي تعلمت العزف عليها, ثم فكرت لحظات قبل أن تبدأ بعزف أغنية قديمة حزينة.
    -ألن تكفي عن هذه الألحان الجنائزية؟
    أتاها صوت شقيقتها فجأة فإنتفضت و سقط الفلوت من يدها. أسرعت (لبنى) تعيده إليها و هي تقول:
    -ماذا بك يا (ليلى)؟
    -ماذا بي؟
    هزت (لبنى) رأسها بعدم فهم و هي تقول:
    -أنت شاردة منذ أيام, كما أنني قد طرقت الباب و دخلت دون أن تنتبهي.
    إبتسمت (ليلى) مغمغة:
    -أنا بخير يا (لبنى).
    -كلا لست كذلك.
    هتفت الأخت الصغرى بعناد ثم ركعت على ركبتيها أمام شقيقتها و وضعت يديها على كتفيها و تساءلن بقلق:
    -هل تواجهين صعوبات في العمل.
    -لقد إستقلت.
    قالت (ليلى) بهدوء, فصرخت (لبنى):
    -ماذا؟
    إستمرت (ليلى) و كأنها لم تسمع سؤال شقيقتها:
    -و حصلت على عمل بصحيفة أخرى.
    تطلعت إليها (لبنى) ثم هزت رأسها بشدة و هي تنهض قائلة:
    -ألن تخبريني عن السبب؟
    نظرت إليها (ليلى) و ما لبثت عيناها أن غامتا بالدموع مما جعل (لبنى) تهتف بجزع:
    -ما الأمر يا حبيبتي؟
    -سحقاً للرجال.. سحقاً لهم جميعا.
    بدا على (لبنى) أنها فهمت فربتت على ظهر شقيقتها بإشفاق و هي تقول:
    -هل تذكرت خطيبك السابق؟
    نظرت إليها (ليلى) بدهشة و رددت:
    -خطيبي السابق؟
    ثم ضحكت بمرارة و هي تجيب:
    -كلا يا (لبنى) إنني لا أتذكره أبدا.
    أشارت (لبنى) إليها و هي تقول:
    -و لكنك تقولين..
    قاطعتها (ليلى) و هي تلوح بسبابتها:
    -نعم, سحقا للرجال.
    و نهضت و هي تردف:
    -تعلمين أن تربيتنا جعلتنا نضع دوما حدودا لعلاقتنا بالجنس الآخر, غير أنني كنت – و على الرغم من ذلك – أجد كثيرا من الأشياء التي تضايقني منهم.
    تطلعتا إلى بعضهما لحظات قبل أن تواصل (ليلى):
    -و كنت قد صنفت الجنس الآخر إلى مجموعات, و ظننت نفسي آمنة من مكرهم, غير أنني وجدتني مخطئة. فدائما يكون هناك صنف مختلف, لكن الغاية واحدة... النيل من المرأة.
    و ربما كان فشل خطبتي قد فتح عيني على نوع جديد من الرجال, ذاك النوع الذي يتلبس ثياب البراءة متحينا الفرصة الملائمة لينشب مخالبه فيك.. و أحمد الله أن نجاني منه.
    -و لكنني أراك صرت شديدة العصبية أمام كل ما يتعلق بالرجال يا أختي.
    قالت (لبنى) بقلق, فإبتسمت (ليلى) و قالت:
    -أتعنين أنني أعاني من صدمة ما بعد الحدث؟
    و هزت كتفيها و هي تردف:
    -كلا يا (لبنى), إن عقلي و حكمي على الأمور ما زالا جيدين. و أعلم تماما أن هناك خير بمقدار ما هنالك من شر, و ربما أكثر.
    ثم جلست على طرف الفراش فجلست (لبنى)..
    -هل تريدين أن تعلمي لم إستقلت؟
    هزت (لبنى) رأسها بلهفة, فقالت (ليلى):
    -إستمعي إليّ..
    و قصت عليها كل ما حدث و كانت عينا (لبنى) تزدادان إتساعا من الذهول و الصدمة.
    -آسفة لأنني أفزعتك يا (لبنى).
    قالت (ليلى) و هي تربت على كتف شقيقتها التي إغتصبت إبتسامة و ردت:
    -لم تفزعيني فأنا أثق بأن مثل هذه الاشياء تحدث. و لكن ما أرعبني هو أنك من واجهك هذا الموقف.
    إبتسمت (ليلى) بمرارة و قالت:
    -لقد واجهت مثله كثيرا؟
    هتفت (لبنى):
    -رباه!
    -و كنت أظن أنني فتاة سيئة, لأنني كنت أعتقد جازمة أن السيئ لا ينال إلا الأسوأ. و أصدقك القول أنني كدت أصاب بإنهيار عصبي لولا لطف الله.
    إحتضنتها (لبنى) بحنان و هي تهتف:
    -إنك نسمة يا (ليلى), و لست أدري كيف يجرؤ أحدهم أن يخدشك..
    ضحكت (ليلى) و هي تقول:
    -دعينا من هذا كله و أخبريني, لم لم أجد أدوات زينتي؟
    خفضت (لبنى) عينيها و هي ترد بتلعثم:
    -إستعرتها, فأنت لا تستعملين منها شيئا.
    قرصتها (ليلى) بمحبة في وجنتها و هي تغمغم:
    -هذا لأنني أحفظ قول الشاعر العظيم علي الجارم:
    يصنع الصانعون وردا و لكن وردة الروض لا تضارع شكلا.
    إبتسمت (لبنى) و قالت بصدق:
    -بالتأكيد فأنت جميلة و رقيقة, و لا تحتاجين لهذه الأصباغ.
    -و هل أنت قبيحة؟
    قالت بخبث فضحكت (لبنى) و قالت:
    -لن أغضب منك هذه المرة.
    و صمتتا و كلا منهما تتطلع إلى الأخرى بشغف أخوي...



    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الجمعة 30 مارس 2012, 1:51 pm


    الفصل الثالث

    إنتهت (ليلى) من محاضرتها لطلاب المستوى الثالث بكلية الآداب قسم الإعلام قبل عشر دقائق من موعد نهايتها, و بعد أن أجابت على إستفساراتهم, خرجت بهدوء من القاعة و هي تتأبط حقيبة يدها و إتجهت نحو باب الجامعة الرئيسي.
    عبرت شارع الأسفلت لتلج كافيتيريا الأساتذة, محيية كل من يقابلها بإبتسامة دافئة, ثم سارت لتجلس في ركنها المفضل الذي تحجبه جزئيا عن بقية الكافيتيريا نافورة ملونة.
    -مرحبا أستاذة (ليلى).
    قال الجرسون بإبتسامة, فردت بهدوء:
    -مرحبا بك يا (صالح).
    -كالمعتاد؟
    -كالمعتاد.
    و لما إنصرف أخرجت من حقيبتها دفترا, أخذت تدون عليه بعض الملاحظات.
    -أستطيع الجلوس هنا, إليس كذلك؟
    فاجأها الصوت, فرفعت عينيها بسرعة و إبتسمت لما تعرفت صاحبه:
    -بكل تأكيد يا (علي).
    جلس (علي) مبتسما و هو يقول:
    -هل تقبلين دعوتي على الغداء؟
    هزت رأسها نفيا و هي تجيب:
    -أنت تعلم أنني أتناول غدائي دوما مع أسرتي.
    ثم إبتسمت و هي تردف:
    -و لكن يمكنك أن تتناول غداءك.
    هز كتفيه قائلا:
    -لم أعد أشعر بالجوع.
    و في هذه اللحظة حضر (صالح) و وضع كوب شاي و زجاجة مياه معدنية أمام (ليلى) ثم إنصرف, غير أن (ليلى) نادته و هي تسأل (علي):
    -هل تتناول الشاي؟
    قال مستنكرا:
    -في هذا الحر الشديد؟
    لوحت بسبابتها و هي تشرح:
    -إن الحر الشديد هو ما يجعلنا نحتاج إلى الشراب الدافئ حتى..
    قاطعها بسرعة:
    -يكفي أرجوك.. إنني أحفظ محاضرتك هذه عن ظهر قلب.
    ضحكت بمرح ثم قالت ل (صالح):
    -هلا أحضرت كأسا من عصير الليمون للأستاذ (على)؟
    -في الحال.
    رد (صالح) و إنصرف.
    ران عليهما الصمت و (ليلى) ترشف الشاي ببطء و فجأة قالت بتهكم:
    -يبدو أن صاعقة ستصيبني!
    تطلع إليها (علي) بحيرة فهمست بصوت خافت:
    -ألم تحسم الأمر بعد مع الأستاذة (ضياء)؟
    إرتسمت على وجهه علامات الضيق و هو يهتف:
    -أهي هنا؟
    ردت بذات الصوت الهامس و هي تتظاهر بتناول الشاي:
    -و منذ البداية.
    أغلق عينيه و زفر بحرارة و هو يقول:
    -لا أدري كيف يمكنني إقناعها أن لا شيء بيننا.
    وضعت كوب الشاي و هي تقول:
    -و لم لا يا (علي)؟, أنت شاب مهذب و مستقيم, تتبوأ منصب مساعد عميد كلية الآداب, و لديك مستقبل مشرق.. و هي فتاة جميلة و أنيقة, تحاضر بنفس الكلية, و أظن أن فارق العمر بينكما مناسب.
    عقد حاجبيه و هو يقول لصوت إزداد ضيقه:
    -و هل تكفي الأناقة و الجمال و فارق السن المناسب؟
    تساءلت بدهشة:
    -ماذا تريد أكثر من ذلك؟
    قال بصرامة:
    -الأخلاق الحميدة.
    -و لكنها ليست سيئة الأخلاق.
    قالت تدافع عنها بصوت لم يقنعها حتى هي نفسها.
    -من تخدعين يا (ليلى)؟ كلنا يعرف كم هي شديدة القسوة و العصبية.. تتفاخر دوما بأصولها الأرستقراطية المزعومة, و تعامل الجميع كما لو كانوا عبيدا لها.
    -و لكنها تحبك.
    هتفت (ليلى), فلوح بسبابته و هو يزمجر:
    -إنه ليس حبا يا (ليلى), إنها رغبة في الحصول على ما لم تقدر على تطويعه.
    و صمت لحظات و هو يخفض بصره و يردف:
    -ثم إن هناك أخرى.
    تساءلت بفضول:
    -من تكون؟
    تطلع إلى عينيها مباشرة ثم إبتسم و قال:
    -لن أخبرك, لا بد أن تعرفيها بنفسك.
    قالت بإستعطاف:
    -ألسنا صديقين؟
    رفع أحد حاجبيه ثم ضحك و هو يقول:
    -لن يفيدك هذا.
    ثم إستأذن منها ليلحق بمحاضرته التالية.
    * * *
    جلس عدد من العاملين بصحيفة النهضة يتهامسون فيما بينهم, و كان محور الحديث (ليلى), فقال أحدهم بضيق:
    -لست أدري كيف تجد وظيفة بهذه السهولة, بينما بحثت أنا حتى حفيت قدماي لأعمل هنا.
    رد آخر:
    -إنها الشهيرة (ليلى محمود) يا (رضوان).
    قال (رضوان):
    -و ماذا إن كانت (ليلى محمود) أو حتى (ليلى مراد) يا (طه)؟
    ضحك الآخرون ثم قال أحدهم:
    -أظن أن جمالها قد أدار رأس الأستاذ (مصطفى) كما هي العادة.
    أسرعت إحدى الصحفيات تقول بغيرة واضحة:
    -إنها ليست جميلة يا (توفيق).
    قاطعتها فتاة أخرى:
    -حتى أنها لا تهتم بالأناقة و ترتدي دائما ملابس قاتمة اللون, أليس كذلك يا (سوزان)؟
    ردت صاحبة العبارة الأولى:
    -بلى يا (عبير).
    -هذه هي الأناقة يا (عبير).. فهي تعلم أنها ليست في كرنفال بل هو مكان عمل.
    إلتفتوا جميعا ناحية صاحب العبارة, الذي تقدم منهم ليجلس فوق مكتب (عبير) و هو يكمل:
    -و ليست كالأخريات اللاتي يبدون و كأنهن قد خرجن من لوحة لفان جوخ.
    إحتقن وجه (عبير) لما عرفت أنه يعنيها بكلماته, بينما إنفجر زملاؤها بالضحك, فأسرعت تركض خارجة.
    -لقد أحرجتها يا (طارق).
    قال (طه), فهز (طارق) كتفيه بعدم إهتمام ثم نهض و إتجه خارج الغرفة و هو يقول:
    -إنها الحقيقة على أية حال.
    قالت (سوزان) بنبرة شامتة:
    -الحقيقة أنها قد هبطت من عليائها كنائبة لرئيس تحرير, لتصبح مجرد صحفية.
    تبادل الآخرون النظرات دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء الرد, ثم واصلوا عملهم المعتاد حتى أتاهم صوت (ليلى):
    -مرحبا.
    نهض (توفيق) من مقعده و إتجه نحوها قائلا بتزلف:
    -مرحبا بك يا أستاذة (ليلى), لقد أنرت مكتبنا.
    إبتسمت و هي ترد:
    -شكرا لك, و لكن لا أظن أنني مصباح كهربائي.
    ضحك الجميع لدعابتها, و إنبرى (طه) يقدمها للآخرين, فسلمت على كل منهم, ثم قالت (سوزان):
    -بما أنه لا يوجد مكتب شاغر, فسنتشارك مكتبي.
    -بل ستشاركني مكتبي أنا.
    جاء صوت (طارق) يقول بحزم, فإلتفتت (ليلى) إليه, و خفق قلبها بشدة لما رأته..
    فقد رأت فارس أحلامها...


    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الجمعة 30 مارس 2012, 1:52 pm


    الفصل الرابع

    ألقت (ليلى) جسدها على فراشها و أغلقت عينيها و هي تقول بصوت حالم:
    -آه لو رأيته يا (لبنى).
    جلست (لبنى) بقربها و هزتها قائلة بلهفة:
    -لا تثيري فضولي أكثر من ذلك, هيا قصي علي الأمر كله.
    فتحت (ليلى) عينيها و تنهدت بعمق و هي تغمغم بهمس:
    -طويل القامة, رياضي القوام, قمحي البشرة.. و عيناه سوداوان عميقتان.. و صوته قوي عميق, و حازم.
    -ما إسمه؟
    تساءلت (لبنى) فردت شقيقتها بهيام:
    -(طارق).
    ضحكت (لبنى) بشدة, مما جعل (ليلى) تعقد حاجبيها و هي تقول:
    -أتسخرين يا (لبنى)؟
    لوحت (لبنى) بكفيها و هي تسرع بالقول:
    -لا لا بكل تأكيد يا شقيقتي العزيزة.
    ثم مالت لتتطلع إلي عيني (ليلى) مباشرة, مستطردة:
    -و لكن تذكرت عبارتك الشهيرة: "سحقاً للرجال".
    بدا الإستنكار على ملامح (ليلى) و هي تهتف:
    -إنه ليس كبقيتهم.
    -و من أدراك؟
    بهتت (ليلى) فخفضت عينيها و قالت بتردد:
    -لا أدري.
    ثم بدا عليها العناد و هي تكمل:
    -و لكنه الرجل الوحيد الذي جعل قلبي يخفق بهذه الطريقة.
    تطلعت إليها (لبنى) بصمت لحظات قبل أن تقول:
    -أعلم أنني أصغرك في السن يا (ليلى), و لكن طبيعتك الرومانسية تقلقني دائما.
    هتفت (ليلى) بحدة:
    -ماذا تعنين؟
    تنهدت (لبنى) و هي تبتسم بصبر و تقول:
    -عزيزتي, نحن نفهم بعضنا جيدا, فنحن أقرب ما نكون لبعضنا مذ كنا صغيرتين.. أنت فتاة طيبة القلب و تمتازين بعقل راجح جدا, و لكنك أحيانا تغلبين طيبتك على تعقلك.. و على الرغم من أنك تعديت مرحلة المراهقة, إلا أنني لست مع إندفاعك للتورط بهذه العلاقة.
    و صمتت قليلا قبل أن تردف:
    -ثم من أدراك أنه ليس مرتبطا بأخرى.
    صدمت (ليلى) لمنطق شقيقتها, فران عليها الصمت قبل أن تقول:
    -أشكرك يا (لبنى).
    -لا داعي للشكر. و الآن أخبريني, هل ستكونين معه في مكتب واحد؟
    -بالتأكيد لا.
    ردت (ليلى) بإستنكار ثم أعقبت:
    -على الرغم من أنني أراه الرجل الذي حلمت به دوما, إلا أن جزءا مني يبعث بإشارات تقلقني.
    و إبتسمت و هي تكمل:
    -لذا قررت أن أبقى مع (سوزان) و (عبير) في مكتبهما. و لقد ساعدني الأستاذ (مصطفى) بوضع منضدة لي هناك.
    -هذا جيد.
    قالت (لبنى) بإرتياح ثم نهضت, تاركة شقيقتها تفكر في الغد الآتي.
    * * *
    رن الهاتف في مكتب الصحفيات, فإلتقطت (عبير) السماعة ثم قالت بعد برهة:
    -إن الأستاذ (مصطفى) يطلبك يا (ليلى).
    تطلعت إليها (ليلى) بتساؤل, غير أن (عبير) لم تمنحها إجابة, فنهضت الأولى و أسرعت نحو مكتب (مصطفى).
    _إلى أين أنت مسرعة.
    إنتفضت (ليلى) لما سمعت صوت (طارق), و إزدادت ضربات قلبها, غير أنها إستجمعت نفسها و رسمت إبتسامة على شفتيها و هي تجيب:
    -الأستاذ (مصطفى) طلب حضوري.
    رفع (طارق) عينيه و خفضهما و هو يقول:
    -آه..
    -ماذا تعني هذه ال"آه"؟
    تساءلت بعجب, فإبتسم و هو يقول:
    -لا شيء.. نصيحتي أن تحذري منه.
    و إنصرف مخلفا في ذهنها آلاف علامات الإستفهام.. و بعد لحظات تنهدت و أسرعت تطرق باب مكتب (مصطفى).
    -تفضل يا من تطرق الباب.
    دخلت و تركت الباب مواربا, و لما لمحها نهض و على شفتيه إبتسامة كبيرة:
    -مرحبا بك يا (ليلى). أنرت مكتبي.
    -مرحبا بك.
    ردت بهدوء.
    -تفضلي بالجلوس.
    قال و هو يتجه ليغلق الباب الذي ما أن سمعته يغلق حتى إبتدأت كل مخاوفها تزداد.
    -أين إبتسامتك الجميلة؟
    تطلعت إليه بدهشة, ما لبثت أن تحولت إلى إستنكار لم يلحظه و هو يكمل:
    -إن صرامتك تمنح جمالك هيبة و لكن إبتسامتك تزيدك جمالا.
    -هكذا!
    ردت بإستهزاء و هي تنهض ثم تقول:
    -لا أظن أن هذا هو سبب طلبك مقابلتي.
    أطلق ضحكة صفراء و هو يقول:
    -ليس السبب الرئيسي.
    تطلعت إليه ببرود و هي تتساءل:
    -و ما السبب الرئيسي؟
    عقد يديه خلف ظهره و هو يقول:
    -لقد إتصل بي السيد رئيس التحرير, و هو في قمة السعادة لإنضمامك إلينا, و ما تبعه من زيادة المبيعات, و قد طلب إلي أن أخبرك إنه يريد تعيينك نائبة ثانية للتحرير.
    و مال نحوها و هو يكمل:
    -و للحقيقة فهذا لا يرضيني, و لكنني لن أخالف أوامره.
    أسرعت تقلب الأمر في رأسها ثم إنتبهت إلى نقطة معينة:
    -و أين سيكون مكتبي إن وافقت؟
    بدت على وجهه تلك الإبتسامة التي لا تروق لها و هو يجيب:
    -معي, هنا.
    رسمت على شفتيها إبتسامة دبلوماسية و هي تقول:
    -دعني أفكر قليلا.
    و أسرعت تخرج من الغرفة, و ما أن إبتعدت حتى أسندت ظهرها على الحائط و هي تتنفس بعمق و تهمس لنفسها:
    -يبدو أنني سأفكر جيدا في عبارة (لبنى) "صدمة ما بعد الحدث".
    -هل من خطب؟
    فاجأها صوت (طارق) للمرة الثانية و ضبطت قلبها و هو يخفق بشدة.
    -أأنت بخير؟
    بدت لها عيناه و كأنها تغوص في أعماقها فأبعدت نظرها عنه و حاولت أن تصبغ صوتها بالهدوء و هي ترد:
    -أنا بخير.
    -يمكنك إخباري إن بدأت تواجهين المتاعب مع (مصطفى).
    تطلعت إليه بدهشة فإبتسم و هو يقول:
    -أرى أنني كنت على صواب.
    لم يرق لها كشفه للأمر فردت بحدة:
    -أستاذ (طارق), أنا لا أواجه متاعب.
    و تطلعت إليه مباشرة و هي تردف:
    -و إن كنت أواجهها فإنني أحتفظ بها لنفسي.
    مط شفتيه قائلا:
    -هذا شأنك.
    و سار كل منهما في طريقه..
    * * *
    لمح (علي) (ليلى) و هي تجلس في ركنها المفضل, فإتجه نحوها مبتسما و هو يقول:
    -لم أنت مختفية هذه الأيام؟
    إنتفضت و هي تقول:
    -ماذا؟
    إبتسم بحنان مغمغما:
    -يؤسفني أنني أيقظتك من أحلامك.
    بدا عليها الخجل و هي تقول بصوت خافت:
    -ليست أحلاما بمعنى الكلمة.
    جلس على المقعد المقابل لها و هو يتطلع إليها بدهشة, ثم قال:
    -هل هناك ما تودين إخباري به؟
    تنهدت بنعومة و غمغمت:
    -لا شيء.
    صمت تماما و هو يتطلع إليها.. بدت حالمة و كأنها غارقة في الحب.. "في الحب؟؟" صرخ قلبه بتلك الكلمات, و ما لبث أن نفض رأسه كأنه ينفيها..
    مرت عشر دقائق كاملة و هو يتطلع إليها, بينما لم توله أي إهتمام.. ثم نهض و لدهشته إستمرت في حالة الهيام التي عليها.. فإبتسم بحزن و غادر الكافيتيريا و هو يقول لنفسه:
    -لقد ضاعت منك يا علي.. ضاع حبك إلى الأبد.


    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الجمعة 30 مارس 2012, 1:54 pm


    الفصل الخامس

    إستغرقت (ليلى) في قراءة العدد الأخير من سلسلة رجل المستحيل حتى أنها لم تشعر بشقيقتها التي دخلت الغرفة, ثم سارت لتجلس خلفها على الفراش. إبتسمت (لبنى) بخبث و أسرعت تنتزع منها الرواية بغتة, مما جعل (ليلى) تنتفض و هي تصرخ:
    -ما هذا؟
    إستلقت (لبنى) على الفراش و هي تقرأ:
    "أدهم قل شيئا"..
    نطقتها (منى) في خفوت منفعل و هي تلتصق ب(أدهم), الذي ظل صامتا لحظات, و كأنه يحاول إستيعاب الموقف المحيط به, قبل أن يلتفت إليها قائلا:
    "(منى), أتتز..
    -لااااااااا
    صرخت (ليلى) و هي تعيد إنتزاع الزواية من (لبنى), ثم تكمل:
    -إياك.
    -ما الأمر يا شقيقتي العزيزة؟
    قالت (لبنى) بدهشة مصطنعة, فرمقتها (ليلى) بنظرة حادة و هي تقول:
    -لا تفسدي علي متعة القراءة.
    جلست على مقعد بجوار نافذة غرفتها, و ما لبثت أن عادت تستغرق في القراءة من جديد, بينما (لبنى) تتطلع إلى التعابير التي بدأت ترتسم على وجهها... "أتلك فرحة خجلى؟" تساءلت (لبنى) في نفسها, ثم عادت ترمق شقيقتها بنظرات فاحصة, و ذعرت لما وجدت الدمع يترقرق في عينيها, ثم بعد لحظات تفاجأت لما طوحت (ليلى) الرواية بعيدا و إنكفأت على وجهها و هي تبكي بحرارة, فأسرعت إليها بجزع و هي تهتف:
    -(ليلى), حبيبتي, لم تبكين؟
    ردت عليها (ليلى) بالمزيد من النحيب, فلم تملك إلا أن ضمتها إلى صدرها بحنان و هي تربت عليها حتى هدأت.
    -لا يمكن أن يفعل بي ذلك.
    -من تعنين؟
    تساءلت (لبنى) بحيرة, فأشارت (ليلى) إلى الرواية و هي تقول بمرارة شديدة:
    -د. نبيل فاروق.
    -من؟
    هتفت (لبنى) بدهشة غامرة ثم إستدركت:
    -أتعنين مؤلف هذه الرواية.
    -و من غيره؟
    قالت (ليلى) و عادت تصرخ:
    -لم هذه النهاية المؤلمة؟ ألم يعلم أنه سيحطم قلوب الكثيرين؟
    لم تفهم (لبنى) ما عنته شقيقتها فأسرعت تلتقط الرواية و تقرأ الفصل الأخير.
    -أتعنين هذا؟
    قالت (لبنى) بصوت خافت, فعادت (ليلى) تبكي و تقول بصوت متقطع:
    -أبعد إنتظار و أمل أن يتزوجا و يعيشا في سعادة و هناء, يختم السلسلة بإصابة (منى) المميتة, حتى أنه لا يوضح ماذا حدث بعدها و هل توفيت حقا أم لا؟
    و صمتت لحظات لتجفف دموعها ثم تكمل:
    -و لكن لماذا؟
    ثم رفعت عينيها إلى شقيقتها و هي تردف:
    -حتى الروايات لا تنتهي نهاية سعيدة.. كل المحبين مصيرهم الشقاء.
    أسرعت (لبنى) تقول:
    -رويدك يا (ليلى), إنها مجرد رواية.
    هزت (ليلى) رأسها بعنف, حتى خشيت (لبنى) أنها ستقتلعه من مكانه:
    -إنها ليست مجرد رواية..
    و نهضت لتستند على إطار النافذة و تتطلع إلى البعيد و هي تقول:
    -إنها حياتي منذ عشرين عاما يا (لبنى).. عشرون عاما مرت و أنا أنتظر العدد تلو الآخر بفارغ الصبر.. حتى أنني آمنت بوجودهما حقيقة, و كأنهما يعيشان معنا.
    و إلتفتت إلى شقيقتها مردفة:
    -الآن, لم يعد لدي أدني أمل في نجاح الحب..
    لم تدر (لبنى) كيف تجيب شقيقتها الرومانسية الحالمة, فصمتت. ثم قالت بعد برهة:
    -كيف حال (طارق)؟
    و كأنما كانت (ليلى) تحتاج لهذا السؤال, فقد أشرق وجهها و إلتمعت عيناها و هي ترد بإبتسامة خجلى:
    -أظنه بخير.
    غمر الإرتياح (لبنى) لما تمكنت من إخراج شقيقتها من أحزانها, فإستمرت تسأل:
    -ألم يحدث بينكما شيء؟
    ردت (ليلى) بأسف:
    -لا.
    ثم رفعت رأسها قائلة بحزم:
    -و أنا لا أرغب بحدوث شيء, يكفيني أن أحب من على البعد..
    و رنت إلى شقيقتها بحزن و هي تقول:
    -ألا ترين أن كل المحبين مصيرهم الفراق؟
    و ساد الصمت بينهما..
    * * *
    سمعت (ليلى) طرق باب مكبها بكلية الآداب, بينما كانت تراجع أوراق إمتحانات طلبتها, فردت دون أن ترفع رأسها:
    -أدخل.
    -إذن فهذا هو مكتبك؟
    إرتجف قلبها و سقط القلم على الأرض لما سمعت صوت (طارق), الذي أسرع يلتقط القلم و يعيده إليها قائلا بإبتسامة إعتذار:
    -هل أفزعتك؟
    رسمت على وجهها إبتسامة هادئة لا تشي عما يعتمل في أعماقها من إضطراب و هي تقول:
    -مرحبا بك, تفضل بالجلوس.
    جلس و وضع إحدى رجليه فوق الأخرى و هو يتطلع إليها, فتشاغلت بالأوراق و هي تقول:
    -هل من خطب بالصحيفة؟
    -و لم؟
    أشارت إليه قائلة بحيرة:
    -زيارتك.
    ضحك بمرح ثم قال:
    -ألا يزورك أحدهم إلا للعمل؟
    أطرقت بحرج و هي تتمتم:
    -لا.. أعني..
    مال نحوها و تطلع إليها بنظرة لمحت فيها شيئا من الرقة:
    -لا بأس.
    صمت لحظات ثم أردف:
    -لقد أتيت لأن ما أريد قوله, لا يمكن أن يقال في مكاتب الصحيفة.
    بان عليها الإهتمام و هي تسأل:
    -ما الأمر؟
    صمت ثانية ثم قال فجأة:
    -إنني معجب بك جدا.
    شهقت بشدة مما جعله يبتسم و هو يقول:
    -فاجأتك, أليس كذلك؟
    ردت بصوت هامس:
    -بلى.
    تطلع إليها بتمعن, و بدا له أن في عينيها شيئ من اللهفة, فإبتسم في أعماقه و هو يستطرد:
    -تعلمين أنك مختلفة عن الأخريات.
    تساءلت:
    -و كيف ذلك؟
    دعت ربها ألا يقول عبارة الرجال الدائمة "أنت جميلة".. و زفرت بإرتياح لما قال:
    -مثقفة, واثقة من نفسك, حازمة..
    قالت بإبتسامة فرحة:
    -أشكرك.
    أسند كفيه على مكتبها و قال:
    -لا أظن أنك مرتبطة.
    ردت بهمس:
    -لست كذلك.
    إبتسم بإعتداد و قال:
    -إذن توافقين على علاقتنا؟
    أطرقت و أجابت بصوت بالكاد سمعه:
    -لا بأس.
    بانت على شفتيه إبتسامة ظافرة قبل أن يخفيها و هو يقول:
    -و لكن ينبغي أن نخفي ما بيننا عن العاملين بالصحيفة.
    تطلعت إليه بدهشة ممزوجة بالعجب و هتفت:
    -و لماذا؟
    رد بنبرة أرادها حزينة:
    -لأن هناك فتاة تعمل معنا و لا أريد أن أجرح مشاعرها, أنت تفهمين ما أعني.
    بانت عليها علامات الأسف و هي تقول:
    -يا للمسكينة.
    -(ليلى), هل أنت هنا؟
    فاجأهما صوت (علي), الذي تراجع لما لمح (طارق), فأسرعت (ليلى) تقول:
    -تفضل يا (علي).
    و أشارت إلى (طارق) و هي تقول:
    -هذا الأستاذ (طارق) زميلي بالصحيفة.
    لمح (علي) في نبرة صوتها ما أرادت إخفاءه من فرحة, غير أنه مد يده و سلم على (طارق):
    -مرحبا بك.
    سلم عليه (طارق) ببرود قبل أن يقول و هو يخرج من المكتب:
    -إني ذاهب الآن. وداعا.
    ردت (لبنى) بهمس:
    -إلى اللقاء.
    أجال (علي) النظر بينهما و الحزن يغمر قلبه لما لمسه في كلمات (لبنى) و نظراتها إلى (طارق) من حب.
    -تفضل يا (علي), ماذا كنت تريد؟
    زفر بضيق و قال:
    -لم يعد مهما.
    و خرج و هو يلعن حظه السيء, بينما جلست هي و الفرحة.. كل الفرحة على محياها..


    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الجمعة 30 مارس 2012, 1:56 pm


    الفصل السادس

    غادرت (ليلى) مبنى الجامعة و هي ترفل في أثواب السعادة.. أخيراً وجدت فارس أحلامها, و ليس ذلك فحسب بل إنه أخبرها بما يكنه لها من حب.. "من حب؟!".. أعادت العبارة بصوت متردد هامس و هي تسأل نفسها:
    " و لكنه لم يذكر أنه يحبني؟ "..
    تسلل حزن مرير إلى قلبها غير أنها سرعان ما وجدت العذر ل(طارق):
    "أليس التحدث بالمشاعر يقلل من قيمتها؟ ألم أكن دوما من مناصري قول الراحل نزار قباني "كلماتنا في الحب تقتل حبنا, إن الحروف تموت حين تقال"؟.. "
    و عادت البسمة إلى شفتيها بعد أن أقنعت قلبها المذعور بذلك التفسير..
    واصلت سيرها عبر شارع الجامعة ثم إتجهت يمينا عند وصولها الركن الجنوبي الغربي للجامعة و سارت حتى تقاطع الشارع مع شارع النيل, حيث أوقفت سيارتها الفلوكسفاجن ذات الموديل القديم جدا, فركبتها, و بعد جهد دارت السيارة..
    بعد نصف ساعة كاملة وصلت منزلها, فركنت السيارة في جراج المبنى, و أسرعت تصعد السلم قفزا حتى بلغت شقتها.
    -أمي.. لقد عدت.
    صاحت بتلك العبارة و هي تعانق أمها بشدة أدهشت الأخيرة.
    -ما الأمر؟ ما سبب كل هذه الفرحة؟
    قالت الوالدة بإبتسامة حانية:
    -لا شيء.
    ردت (ليلى) و هي تحاول أن تخفي إضطرابها عن والدتها.
    -هل (لبنى) هنا؟
    تساءلت (ليلى) و هي تتجه نحو غرفة شقيقتها و تفتحها.
    -لم تعد حتى الآن.
    ردت الأم, و إنتبهت إلى الأسف الذي إرتسم لحظة على ملامح (ليلى).
    -هل ستتناولين الغداء معنا؟
    قالت الأم, فردت (ليلى) و هي تتجه إلى غرفتها:
    -لست جائعة.
    و أغلقت الباب وراءها ثم ألقت جسدها على الفراش و هي تغمض عينيها بسعادة.
    بعد خمس دقائق نهضت و فتحت دولاب ملابسها لتخرج منه فستانها الزهري اللون و أسرعت إلى الحمام لتغتسل.
    خرجت من الحمام و سرحت شعرها الأسود الطويل ثم عقصته بشريط زهري, و جلست أمام نافذة غرفتها و هي تحمل آلة الفلوت..
    "ماذا أعزف اليوم؟".. تساءلت في نفسها ثم برقت عيناها لما تذكرت ذلك المقطع من تلك السيمفونية القديمة, فبدأت العزف.
    لما أكملت العزف تعالى صوت تصفيق من ورائها, فالتفتت لترى شقيقتها.
    -مرحى يا (ليلى), هاأنت قد تخليت عن ألحانك الجنائزية!
    ردت عليها (ليلى) بابتسامة, فاسرعت (لبنى) تردف:
    -لا بد أن للأمر علاقة ب(طارق).
    خفضت (ليلى) عينيها و هي تبتسم بسعادة خجلى:
    -هذه حقيقة.
    صرخت (لبنى) و هي تضع مقعدا أمام أختها و تقول:
    -قصي علي كل شيء و لا تهملي أدق تفصيل.
    مالت (ليلى) نحوها قائلة:
    -و هل أجرؤ؟
    و بدأت تحكي..
    * * *
    بعد أن إنتهت (ليلى) من حديثها, إستغرقت (لبنى) في التفكير بضع لحظات قبل أن تقول:
    -عزيزتي, لا أريد أن أفسد عليك فرحتك, و لكن..
    قاطعتها (ليلى) بلهفة:
    -و لكن ماذا؟
    ترددت (لبنى) عدة ثوان قبل أن تستجمع شجاعتها و تقول:
    -لست مقتنعة بتلك الحجة لعدم رغبته في إعلان إرتباطكما.
    تساءلت (ليلى) بحذر:
    -و لم؟
    تنهدت (لبنى) و هي تشعر بأنها على وشط نسف أحلام شقيقتها السعيدة:
    -لأنه لا يوجد رجل على وجه الأرض لا يعرف كيف يتخلص من فتاة لا يريدها.
    -حتى و إن كان لا يريد إيلامها؟
    تساءلت (ليلى), فلوحت (لبنى) بسبابتها أمام وجهها قائلة بحزم:
    -حتى و إن كان ما تقولين.
    بدت الحيرة على وجه (ليلى), فقالت (لبنى):
    -يؤسفني أنني أفكر في إحتمالين, كلاهما أسوأ من الآخر.
    -ماهما؟
    تساءلت (ليلى) بقلق.
    -أولا: أن يكون مازال على علاقة بتلك الفتاة و يريد أن يلعب على الحبلين.
    -ماذا تقولين يا (لبنى)؟
    صاحت (ليلى) باستنكار, إلا أن (لبنى) واصلت:
    -و الثاني: أن يكون راغبا في تمضية الوقت فحسب معك دون إرتباط جدي.
    ذهلت (ليلى), لما قالته شقيقتها, و بدأت الدموع طريقها إلى مقلتيها غير أنها نفضت وجهها بحزم و هي تقول:
    -لا يا شقيقتي. (طارق) ليس كما تدعين. كما أن قلبي لن يخدعني أبدا.
    ربتت عليها شقيقتها باشفاق و هي تغمغم:
    -أردت أن أوضح لك ما فكرت فيه, و لكنك أنت من تعرفين (طارق). و صدقيني, كم أتمنى أن أكون مخطئة.
    دفعتها (ليلى) بحدة و هي تقول:
    -أنت مخطئة منذ الآن. رجاء دعيني وحدي.
    و إبتعدت (لبنى) و هي تشعر بتأنيب الضمير لإفسادها فرحة شقيقتها.
    -اللهم إن كان ما فكرت فيه صحيحا, فأبعده عنها عاجلا غير آجل, يا رب.
    قالت (لبنى) بخفوت و هي تضم يديها أمام وجهها.
    * * *
    مضى شهر و (ليلى) في قمة السعادة, فقد كان (طارق) رقيقا حنونا. و لم ينغص عليها إلا طلبه أن يخفيا ما بينهما عن الآخرين..
    و قد حاولت أن تكتشف من تكون تلك الفتاة التي حدثها عنها (طارق), و لكن من دون جدوى. غير أنها لم تكن تشعر إلا بالأسف عليها و تتمنى من الله أن تجد تلك الفتاة شابا آخر ينسيها (طارق).
    و كانت قد أعادت تنظيم جدول محاضراتها لتكون كلها في يوم واحد حتى تتمكن من البقاء بقية أيام الأسبوع في مبنى الصحيفة مع (طارق), الذي كان يأتي لزيارتها في كافيتيريا الأساتذة بالجامعة في اليوم المتبقي.
    أما (علي), فقد أصبح لا يأتي للكافيتيريا إلا بعد أن يتأكد من ذهاب (ليلى) و (طارق) حتى لا يزيد من شدة الألم الذي يغمر قلبه و يمزقه تمزيقا.
    و قد حاولت الأستاذة (ضياء), أن تستميل (علي) إليها و هي تذكره بأن (ليلى) لم تكترث له بل إنها إتجهت إلى الرجل الثري مما يدل على وضاعة تفكيرها, غير أن (علي) لم يعر محاولاتها أدنى إهتمام.
    و في ذلك اليوم, و بينما (ليلى) تكتب مقال اليوم التالي, دخل مكتبها الأستاذ (مصطفى).
    -مرحبا بصحفيتنا النشيطة.
    رفعت عينيها إليه بدهشة –فهو لم يكن يزور أحدا في مكتبه على الإطلاق-, و قالت:
    -مرحبا أستاذ (مصطفى).
    أشار إلى مكتبي زميلتيها الشاغرين و قال:
    -أين (سوزان) و (عبير)؟
    -خرجتا لتحقيق صحفي.
    بدت على شفتيه إبتسامة صفراء أخافتها و هو يقترب من مكتبها, فنهضت و دارت حول المكتب مبتعدة عنه و هي تقول:
    -هل من خدمة يا أستاذ؟
    برقت عيناه بلهفة و هو يرد:
    -و أي خدمة.
    تصنعت الهدوء و هي تقول:
    -ماهي؟
    إقترب منها و هو يتطلع إليها بنظرات وقحة إرتعد لها بدنها, فأسرعت تفتح الباب و تقول:
    -أظنني أريد أن أخرج لشيء له علاقة بمقالي.
    أسرع يريد إيقافها قبل أن تخرج و هو يقول:
    -أتهربين مني؟
    و مد يده نحوها, فلطمتها بشدة و هي تفتح الباب.
    -ماذا يحدث هنا؟
    حمدت الله لما جاءها صوت (طارق) فأسرعت إليه و تصنعت إبتسامة و هي تقول:
    -هل علمت يا أستاذ (مصطفى) أن (طارق) خطبني؟
    بدا الذهول على وجه الأستاذ (مصطفى) بينما عقد (طارق) حاجبيه بغضب و هو يتطلع إليها, فأسرعت تمسك يده و تضغطها و هي تنظر إليه برجاء ألا يكذب ما قالته.
    -هكذا إذن؟ تهاني الحارة.
    قال الأستاذ (مصطفى) و هو يسرع مغادرا الغرفة, فتنفست (ليلى) الصعداء و هي تلقي بنفسها على أقرب مقعد إليها.
    -أريد تفسيرا لما حدث.
    صرخ (طارق) بغضب شديد أرعبها فقالت:
    -لم يحدث شيء, أو بالأحرى أن دخولك أنقذني من هذا الذئب البشري.
    -لست أعني ذلك.
    صر على كلماته بغيظ فتطلعت إليه بدهشة و هي تقول:
    -ماذا تعني؟
    -كيف تدعين أنني خطبتك؟
    إبتسمت و هي تلوح بيدها:
    -أتعني هذا الأمر؟
    أمسك يدها بقسوة و جذبها لتقف على قدميها:
    -لم إدعيت أنني خطبتك؟
    -(طارق), أردت أن أتخلص منه إلى الأبد, و لم يكن هناك غير أن أخبره بهذا الأمر, حتى يعلم أن معي رجلا بإمكانه أن يدافع عني.
    إرتسمت على شفتيه إبتسامة ساخرة و هو يقول:
    -و هل إدعيت يوما أنني سأخطبك؟
    إزدادت دهشتها و هي ترد:
    -أظن أن التكليل الطبيعي لخبنا هو الخطبة فالزواج.
    إنفجر ضاحكا بسخرية شديدة و هو يقول:
    -حبنا؟.. خطبة؟.. زواج؟..
    ثم تطلع إلى عينيها مباشرة و هو يقول بصوت هازئ:
    -من أوهمك بكل هذا؟
    أصابها الذعر لمعنى كلامه, فأسرعت تقول:
    -لا أفهمك يا (طارق)! أتنكر ما بيننا من حب؟
    -هل نطقت يوما هذه الكلمة أمامك؟
    شهقت بشدة و هي ترفع يدها لتكتم صرخة إستنكار كانت على وشك الخروج, و إتسعت عيناها و هي تردد بمرارة:
    -أتعني أنك لا تحبني؟
    -أنا لا أؤمن بالحب أيتها المغفلة.
    تركت جسدها يسقط على المقعد و هي تقول:
    -مغفلة؟ أنا؟ أبعد أن منحتك قلبي و حبي؟
    -لم يطلب أحد حبك يا هذه, و لتعلمي أن ما بيننا قد إنتهى.
    قال ببرود, فصرخت:
    -أنت كمثلك من الرجال, حقير و دنيء.. سحقاً لك .. سحقاً لكم جميعا.




    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الجمعة 30 مارس 2012, 1:58 pm


    الفصل السابع
    زفرت (ليلى) بحنق و هي تردد بصوت عجزت عن إخفاء حدته, و هي تقف أمام رئيس تحرير صحيفة (النهضة):
    -و لكن يا أستاذ..
    قاطعها بصرامة:
    -لن أقبل إستقالتك يا (ليلى), و هذا آخر ما لدي.
    إزداد إنعقاد حاجبيها و أرادت أن تنطق إلا أنه أسرع يقول:
    -مع أنني أستعجب لتنقلك بين صحيفة و أخرى في فترة لا تتجاوز الستة أشهر!.. و هذه هي الصحيفة الثالثة التي تعملين بها في خلال هذا العام.
    ثم مال نحوها و هو يكمل:
    -إلا أنني لن أسألك عن سبب الإستقالة و لا أريد أن أعرفه, لأنني لن أدع جوهرة في الكتابة مثلك تفلت من هذه الصحيفة.
    عقدت يديها أمام صدرها و هي تتساءل إن كان سيدهش لو عرف سبب تنقلها, أم أنه سيظن أنها تدعي ذلك.. لم تكن تدري لما قدمت ورقة إستقالتها أنه سيرفض طلبها.. لذا لم تحاول أن تفكر في أسباب منطقية مقبولة –لا تفضح ما أراده نائبه و لا ما فعله (طارق) معها-.. و لما طال الصمت قال:
    -حسنا.. إذا كنت تعجزين عن التوفيق بين عملك في الجامعة و هنا, فأنا..
    قاطعته بلهفة و قد بدا ذلك السبب منطقيا جدا في نظرها حتى أنها تساءلت لم لم تفكر فيه أصلا:
    -نعم يا سيدي, إن جدول المحاضرات أصبح مزدحما هذه الأيام.
    أشاح بيده في ضجر و هو يقول:
    -تستطيعين أن تداومي يومين إثنين أسبوعيا على أن تبعثي بمقالك قبل العاشرة صباحا في الأيام التي ستتغيبين فيها.
    بدا لها أن اليومين مدة طويلة و لكنها لم تجرؤ على الإعتراض لخشيتها أن يعود عن رأيه:
    -لا بأس يا سيدي.
    و إنصرفت بهدوء, بينما أخذ يهنئ نفسه على هذا الحل الذي سيجعلها ملتزمة بمقالها اليومي, ما يعني أن مبيعات الصحيفة –التي إزدادت بعد إنضمامها- لن تتراجع.
    * * *
    إرتدت (ليلى) ملابس الرياضة و وضعت سماعات الهيدفون على أذنيها ثم خرجت من غرفتها.. عرجت على المطبخ و شربت كوبا من الماء البارد عله يرطب شيئا مما بأعماقها من حرارة الألم..
    -(ليلى), هل ستخرجين؟
    -نعم يا (لبنى).
    إقتربت (لبنى) من شقيقتها و تطلعت إليها بحنان و هي تقول:
    -هل أذهب معك؟
    إصطنعت (ليلى) ضحكة و هي تجيب:
    -أنت؟ لا يمكنك أن تهرولي أيتها الرقيقة.
    عقدت (لبنى) حاجبيها متسائلة بغضب:
    -و لم لا؟
    ربتت (ليلى) عليها و هي تسير متجهة إلى الخارج:
    -(لبنى), أنا أفهمك, فلا داعي لتقومي بحراستي, إذ أنني مازلت محتفظة بكامل عقلي.
    تابعتها (لبنى) بعينيها بحزن و هي تغمغم لنفسها:
    -لم تقعين في فخ الرجال الذين ليسوا رجالا يا أختي الحبيبة.
    و إغرورقت عيناها بالدموع..
    صممت (ليلى) ذلك المساء أن تسير حتى قاعة الصداقة, ما يعني ضعف المسافة التي إعتادتها.. "هذا عقابي لنفسي".. قالت بخفوت و هي تفكر في ما مضى عليها مذ تخرجت من كلية الآداب.. "ترى أكل الرجال نفس الشاكلة؟ أم أنني ألتقي فقط بالأسوأ منهم فقط؟"..تساءلت ثم هزت رأسها بإستخفاف و هي ترد:.."بل كلهم كذلك.. فلو كان هناك من هم أفضل, لربما كنت قابلت أحدهم".. و إبتسمت بسخرية من القدر الذي يصر على جعلها تتعرض لمثل هذه التجارب المريرة.."ترى, أيكون فيما حدث إمتحان لي؟".. مطت شفتيها و هي تجيب..:"لا أظن"..
    * * *
    في صبيحة اليوم التالي, بعد أن إنتهت (ليلى) من إلقاء محاضرتها لصف السنة الرابعة, خرجت مسرعة إلى مكتبها.. و ما أن دلفت إليه حتى طوحت حقيبتها و هي تزفر قائلة:
    -يا إلهي.. متى ينتهي هذا اليوم؟
    -لم تكوني تضجرين من التدريس سابقا!
    إنتفضت لما سمعت العبارة, و إبتسمت لما لمحت (علي) الذي كان يقف أمام مكتبتها الكبيرة و هو يتصفح كتابا في الشعر ل(دوغلاس مالوتش)..
    -شاعري المفضل.
    قالت و هي تجلس على أقرب مقعد إليها..
    -إسمعي هذه الأبيات..
    إذا لم تستطع أن تكون شجرة صنوبر في قمة التلة
    كن شجيرة في الوادي,
    كن افضل شجرة بجانب الينبوع
    كن شجرة،
    إن لم تستطع أن تكون شجرة، كن عشبا واجعل الطريق زاهية..
    قاطعنه مكملة القصيدة:
    لا يمكننا أن نكون جميعنا قادة، بل بحارة
    فكل واحد لديه عمل.
    هناك عمل كبير وعمل اقل يجب القيام به
    والمهمة الملقاة على عاتقنا يجب أن ننجزها
    أن لم تستطيع أن تكون طريقا، كن ممرا
    أن لم تستطيع أن تكون شمسا، كن نجما
    لان الحجم لن يساعدك على النجاح أو الفشل,
    فكن افضل مما أنت عليه...
    صمتا لحظات كان خلالها (علي) يتمعن في (ليلى) و يسائل نفسه ترى لم تبدو حزينة بعيدة بأفكارها هذه الأيام.. ثم قال:
    -ما الأمر يا (ليلى)؟
    تطلعت إليه حتى جلس ثم قالت بنصف إبتسامة:
    -أي أمر؟
    -أنا أسألك.
    تراجعت في مقعدها و بدت لمحة حزن دفين في عينيها و هي تغمغم:
    -لا شيء يا (علي).
    مال نحوها و قال بعناد:
    -بل هناك آلاف الأشياء.
    ثم إعتدل و هو يكمل:
    -و لكن يبدو أنني لم أعد أهلا لثقتك يا (ليلى).
    إلتقطت أذناها تبرة غريبة في صوته فتطلعت إليه ثانية قبل أن تقول:
    -لا تكن سخيفا.
    ضحك بمرارة و قال:
    -أنا؟
    ثم نهض و هو يقول:
    -لقد أتيت لأدعوك لشرب كوب من عصير الليمون في الكافيتيريا, أم أنها لم تعد من مقامك هذه الأيام؟
    نظرت إليه بحيرة و ردت:
    -ناذا تعني؟
    هز كتفيه بلا مبالاة مصطنعة و هو يجيب:
    -لم تعودي ترتادينها.
    و تطلع إليها مباشرة و هو يردف:
    -بل لم تعد لك رغبة في لقاء أي أحد, حتى أن طلبتك يشكون من أنك صرت عصبية و لا تستمعين لأسئلتهم.
    فاجأها قوله فأسرعت تدافع عن نفسها:
    -أنا.. لم ..
    -هل من تقع في الحب تنسى نفسها و ما كانت عليه و تتحول من ملاك إلى..
    لم يدر كيف يكمل العبارة.. كانت المرارة تقطر من حروفه و لكنها زادت آلاف المرات و إمتزجت بلوعته لما رأى الدموع لأول مرة في مقلتي (ليلى), فأسرع نحوها قائلا بحنان لم يستطع إخفاءه:
    -عزيزتي.. لم أقصد أن أكون قاسيا عليك.
    لم تنتبه للكلمة التي لم يسبق له أن خاطبها بها, و لكنها أخفت وجهها بين يديها و إنتحبت بشدة قبل أن تتناول المنديل الذي وضعه بين يديها و تجفف دموعها و هي تقول:
    -ألم تدعوني لعصير الليمون؟
    غمرته الدهشة لتحويلها الموضوع, و لكنه لم يعترض, فإبتسم في وجهها و سارا معا إلى الكافيتيريا..
    ما أن وصلا الكافيتيريا حتى لمحت (ليلى) (طارقا), فراودها الأمل في أنه أتى ليعتذر منها.. أسرعت إليه غير ملتفتة لنداء (علي)..
    أما (طارق) فما أن لمح (ليلى) حتى أخذته الرجفة و إغتم وجهه و هو ينهض لاشعوريا لإستقبالها.
    -مرحبا (طارق).
    قالت (ليلى) بإبتسامة.
    -أيها الغبي, ألم تخبرني أنها ستكون في مبنى الصحيفة اليوم؟
    في تلك اللحظة فقط تنبهت (ليلى) أن (طارق) لم يأت لزيارتها, فقد كان يجلس مع أخرى.. مع الأستاذة (ضياء)..


    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في الجمعة 30 مارس 2012, 1:59 pm


    الفصل الثامن

    نقلت (ليلى) نظراتها بين (طارق) و الأستاذة (ضياء) ببلاهة تحولت إلى دهشة مريرة. ران الصمت عليهم جميعا, بينما عقد (علي) حاجبيه بغضب لا يدري سببه, و ما لبث أن سأل نفسه إن كان غضبه لأجل حبيبة قلبه (ليلى) المخدوعة, أم لأن من خدعها يبدو على علاقة بالتافهة (ضياء).. مط شفتيه بقرف و هو يعقد يديه أمام صدره و يتطلع إليهم..
    تطلعت الأستاذة (ضياء) بنظرة وجسة إلى (علي).. لم تكن تظن أنه سيضبطها مع (طارق), و بدا لها أن كل ما خططت له قد نسفه القدر. ثم حولت نظراتها إلى (ليلى) عاجزة عن منع الحقد الذي برز واضحا في ملامحها..
    أما (طارق) فقد شعر لأول مرة في حياته بالخسة, و إنهال إتهاما لنفسه على نذالتها, خاصة أن (ليلى) لم تكن تستحق ما فعله بها..
    -مرحبا (طارق), مرحبا أستاذة (ضياء).
    خرقت (ليلى) الصمت المخيم بتلك العبارة التي نطقتها بكل رقة و عذوبة لم تدر كيف استطاعت أن تبديها.
    -(ليلى), إنني أعتذر, لم أكن أقصد أن أتسبب بأي ألم لك.
    قال (طارق) بأسف شديد و هو يتطلع أرضا, فتصنعت (ليلى) الدهشة و هي تقول:
    -أي ألم تعني؟
    نظر إلى الأستاذة (ضياء) و بدأ يقول بتلعثم:
    -إن (ضياء)..
    قاطعته الأخيرة بحدة:
    -إصمت أيها الغبي, و لا تزد الطين بلة.
    -لست ألومك يا (طارق) على ما فعلته, فالاستاذة (ضياء) ليست بسيطة مثلي.
    قالت (ليلى) بإبتسامة مريرة, فاسرع (طارق) يقول:
    -أنت لا تفهمين شيئا, إنها..
    -اصمت.
    زعقت الأستاذة (ضياء) و هي ترمقه بنظرة غاضبة صارمة إنكمش على أثرها, حتى أن (ليلى) أحست بالإشفاق عليه و تساءلت إن كان يستطيع أن يكمل حياته مع تلك المرأة القاسية..
    -شقيقتك.
    قال (على) ببرود, فتطلعت إليه (ليلى) بحيرة, بينما شهقت الاستاذة (ضياء) بذعر و هتف (طارق):
    -كيف عرفت؟
    رد (علي) بصرامة:
    -لم أكن أعرف, و لكنني لاحظت الشبه الواضح بينكما, كما أنك أكدت الأمر الآن.
    إلتفتت الأستاذة (ضياء) إلى (طارق) و صفعته بشدة إحتقن لها وجهه, فتطلع إليها بغضب ثم إبتلع ريقه و هو يلتفت إلى (ليلى) و يقول:
    -نعم, هي شقيقتي.
    و رنا نحو (ضياء) بنظرة صارمة و هو يردف:
    -للأسف.
    -كيف تجرؤ؟
    قالت بصوت متحشرج, فتطلع إليها طويلا قبل أن يلتفت إلى (على) قائلا:
    -من حسن حظك أنك لم ترتبط بأختي.
    -لم يكن هذا وارد الحدوث إطلاقا.
    قال (علي) بنبرة واثقة, فهتفت الأستاذة (ضياء):
    -ماذا تقول يا (علي)؟
    رد عليها بهدوء:
    -أنت تعرفين رأيي جيدا يا أستاذة.
    تطلعت إليه (ضياء) بمرارة شديدة قبل أن تلتفت إلى (ليلى) و تهجم عليها قائلة بشراسة:
    -إنها أنت! أنت السبب فيما أعانيه.
    حاولت (ليلى) تخليص نفسها و هي تتساءل بدهشة حائرة:
    -لا أفهم ما تعنين!
    إستمرت (ضياء) في هجومها:
    -أتريدين الإدعاء أنك لا تعرفين أن الأستاذ (علي) متيم بك مذ كنتما تدرسان في الكلية؟
    إزدادت دهشة (ليلى) و هي تنظر إلى (علي) الذي خفض بصره و هو يقول مخاطبا (ضياء):
    -لا دخل ل(ليلى) بكل هذه الأمور فلا تهاجميها بدون وجه حق.
    -(علي).
    رددت (ليلى) فتطلع إليها (علي) بإبتسامة حزينة, و إنتهزت (ضياء) فرصة إنشغالهما فخطت مبتعدة.
    -إلى أين؟
    قال (طارق) و هو يجذب شقيقته من ذراعها و يردف:
    -ليس قبل أن تخبري الجميع بما دبرته.
    -دع ذراعي.
    هتفت (ضياء) محاولة سحب ذراعها من قبضة شقيقها, الذي تحول إلى (ليلى) و هو يقول بأسف:
    -إنني أدين لك بهذا.
    صمت قليلا ليستجمع شجاعته ثم قال:
    -يبدو أن (ضياء) لما علمت أنك تعينت بصحيفة النهضة التي أعمل بها, و كانت قد يئست من تحول قلب (علي) إليها, أوزعت إليّ أن أتقرب منك حتى أقنعك بأنني أحبك فيبتعد عنك (علي).
    صمت و هو ينظر إلى أخته بشماتة و يكمل:
    -و لكن (علي) لم يتقبلها بعد ذلك على الرغم من كل ما حاولت أن تنسجه حولك من إشاعات مزيفة.
    و عاد يتطلع إلى (ليلى) و يقول:
    -لقد كانت تعرف بأنني أسرق المال من والدنا فهددتني بإخباره إن لم أفعل ما طلبته مني.
    و صمت قليلا قبل أن يستطرد:
    -هل تصدقين إن أخبرتك أنني إرتحت جزئيا لما فصمت علاقتنا, لأنني لم أشأ أن أكمل ما بدأته مع إنسانة طاهرة القلب و النوايا مثلك.
    قالت (ليلى) بحزن:
    -هل يجب أن أسعد لذلك؟
    رد بشجاعة:
    -لا.
    ثم أكمل:
    -لا يوجد مسوغ لما فعلته أبدا. و إنني أتمنى أن تغفري لي يوما, غير أنني لن أطمع في مثل هذا الكرم البالغ.
    -لا بأس, غفرت لك.
    قالت (ليلى) ببساطة إتسعت لها عينا (طارق) و شقيقته, و قال الأول:
    -بهذه البساطة؟
    إبتسمت و هي تغمغم:
    -ماذا يفيدني إن لم أفعل؟ إنه لن يعيد ما كنت ظننته حبا, و لن يكفي ليزيل مافي قلبي من أسى.
    إقترب منها و هو يقول بأسف حقيقي:
    -(ليلى), إنني..
    رفعت يدها أمام وجهها و لوحت بإصبعها كناية عن عدم رغبتها في سماع المزيد, إلا أنه لم يتوقف:
    -أحبك.
    أغلقت عينيها بشدة و قبضة باردة تعتصر قلبها, ثم فتحتهما و تطلعت إليه بنظرة طويلة قبل أن تقول:
    -أوظننت أن هذه الكلمة تعني لي شيئا؟
    بعد تلك العبارة, خطت (ليلى) مبتعدة, فتبعها (علي) و هو يقول:
    -(ليلى), توقفي أرجوك.
    توقفت و لكنها لم تواجهه, فقال بصوت هامس:
    -بشأن ما سمعته..
    قاطعته:
    -إنني مصدومة يا (علي).
    -أعلم. كان ينبغي أن أخبرك.
    إلتفتت إليه و هي تضغط على حروف كلماتها:
    -يا ليتني لم أسمع كل ذلك, لكنت أوهمت نفسي بأن كل الإشارات التي رأيتها منك لم تكن و إستمرت صداقتنا, و لكن الآن..
    هتف يستعجلها:
    -ماذا؟
    تطلعت إلى البعيد بأسى و هي تقول:
    -لا أستطيع أن أثق بأحد..
    ثم نظرت إليه و اغتصبت إبتسامة صغيرة:
    -و لكن من يدري ما تخبئه الأيام..
    ثم إبتعدت عنه مسرعة و هو يتابعها ببصره إلى أن أختفت في الأفق, فردد بأسف:
    -سحقاً للرجال...
    * * *


    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    dr.maria
    طبيب فعال
    طبيب فعال

    انثى
    عدد المشاركات : 71
    رقم العضوية : 376
    المستوى : GP
    الاقامة : السعوديه
    نقاط النشاط : 6573
    السٌّمعَة : 6
    تاريخ التسجيل : 16/01/2011

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف dr.maria في الجمعة 30 مارس 2012, 10:02 pm

    شدتني القصة وهي جميلة وليتها انتهت نهاية جميله ولكن يبدو ان الحب حتي في الروايات والقصص هو عبارة عن امل وألم ...
    مشكوووره

    Dr: Milani
    مشرفة روائع الروح والعقل
    مشرفة  روائع الروح والعقل

    انثى
    عدد المشاركات : 225
    رقم العضوية : 106
    المستوى : Specialist
    الاقامة : Khartoum
    نقاط النشاط : 8618
    السٌّمعَة : 0
    تاريخ التسجيل : 30/05/2009

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف Dr: Milani في السبت 31 مارس 2012, 12:03 pm

    شكرا على كلماتك الرقيقة ..

    هذه هي الحياة عزيزتي ..


    _________________
    و لما تغيب عن الميعاد
    بفتش ليكَ في التاريخ
    و أسأل عنّكَ الأجداد
    و أسأل عنّكَ المستقبل اللسع سنينو بُعاد
    بفتش ليكَ في اللوحات محل الخاطِر الما عاد
    و في الأعياد
    في أحزان عيون الناس
    و في الضل الوقف ما زاد
    يا وردي

    dr.maria
    طبيب فعال
    طبيب فعال

    انثى
    عدد المشاركات : 71
    رقم العضوية : 376
    المستوى : GP
    الاقامة : السعوديه
    نقاط النشاط : 6573
    السٌّمعَة : 6
    تاريخ التسجيل : 16/01/2011

    حصرى رد: سُحقاً للرجال (قصة قصيرة)

    مُساهمة من طرف dr.maria في السبت 31 مارس 2012, 1:35 pm

    إذا" سحقا" للحياة...
    والحمد لله علي كل حال

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 07 ديسمبر 2016, 2:25 pm